عبد الوهاب الشعراني

646

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

أو هدية إلا إن علم أنه ليس في بلده أحد أحق بها منه ، فإن علم أن هناك من هو أحق منه وقبل فقد خان عهد أهل اللّه تعالى ، نسأل اللّه اللطف . فاسلك يا أخي على يد شيخ صادق ليعلمك معاملة اللّه تعالى حتى لا تعطي أحدا شيئا قط تتبعه نفسك واللّه يتولى هداك . وروى الشيخان وغيرهما مرفوعا : « الّذي يرجع في هبته كالكلب يرجع في قيئه ليأكله » . وفي رواية الشيخين : « مثل الّذي يعود في هبته كمثل الكلب يقيء ثمّ يعود في قيئه فيأكله » . قال قتادة ولا نعلم أكل القيء إلا حراما . وروى أبو داود والترمذي وغيرهما مرفوعا : « لا يحلّ لرجل أن يعطي لأحد عطيّة أو يهب هبة ثمّ يرجع فيها إلّا الوالد فيما يعطي لولده » . وروى أبو داود والنسائي وابن ماجة مرفوعا : « مثل الّذي يستردّ ما وهب كمثل الكلب يقيء ثمّ يأكل قيئه فإذا استردّ الواهب فليرفق ليعرف بما استردّ ثمّ ليدفع إليه ما وهبه » واللّه أعلم . [ النهي عن قبول الهدية من مشفوع له عند ظالم : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نقبل هدية ممن شفعنا فيه عند ظالم ، بل نردها عليه جزما ، فإن علمنا كسر خاطره بذلك قبلناها وفرقناها على محاويج المسلمين ولا نذوق منها شيئا إن كانت طعاما ، ولا نلبسها إن كانت تلبس ، ولا نشمها إن كانت تشم ولا غير ذلك ، وهذا العهد قد كثرت خيانته من طائفة الفقراء الذين يشفعون في الناس عند الأمراء أو الكشاف ومشايخ العرب وهو جهل وقلة دين ، ولا سيما هدية الفلاحين ، فإن تحتها ألف بلية ، وتأمل لولا شفاعتك ما أتاك ذلك الفلاح بشيء ، وكم له سنة وهو يسمع بك فلا يعطيك شيئا ، ثم من أقبح ما يقع فيه الشافع المحب للدنيا أنه إذا استحلى قبول الهدايا يصير يشفع لأجل ذلك فيعدم الإخلاص فيعدم الأجر في الآخرة من ثبوت الأقدام على الصراط ونحو ذلك مما ورد ، فلا يصير يقدر على نفسه يتجرد عن محبة العوض ، بل رأيت بعض الفقراء تزوج ثلاث نسوة اعتمادا على الهدايا الواصلة إليه من الناس الذين يشفع فيهم لكونه ليس له كسب شرعي ينفق على عياله منه ، وما كانت إلا مدة قريبة ومسكوه بمعضلة فنفرت الولاة الذين كان يشفع عندهم منه وبطلت الهدايا لبطلان الشفاعة ، وطلق الثلاث زوجات وصار لا يقدر على عشاء ليلة . فاسلك يا أخي على يد شيخ ليعلمك آداب الشفاعة واللّه يتولى هداك . وروى أبو داود أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « من شفع شفاعة لأحد فأهدى له هديّة عليها فقبلها فقد أتى بابا عظيما من أبواب الكبائر » .